عراقي

تدور الكريات الصغيرة بين أصابعي الخشنة. كريات خضراء لماعة تعيد لحظات عناق عابر في طائرة. تعانق السبحة أصابعي. أظنها يدك تعانقها. أصابع مترددة تدنو وتنفخ حرارة لطيفة تدفئ نتوء الصدر الصغير. تبتعد.

أحار في الكتابة. أعود الى الجدل الدائم بيني وبيني عن جدوى البوح. لا جدوى منه. لا غاية له حتى. نبوح كي لا نقسو. لكنه فاصل سريع الانكسار بين البوح والشكوى.

أتحسس خطوطا قسمت بشرة وجهي الى مناطق يزداد ارتسامها وضوحا. تزداد تجاعيد المنطقة المحيطة بالفم والأنف. تتكور ما بين خطين مقوسين حول الفم يشبه أكثر ما كنت أنبذه في وجه أمي.

جدران منهارة، بقع دماء محترقة، رماد لحم وعظام متناثرة حديد ملتوي، دمار. لا تحرك هذه المشاهد سوى ذكرى صور قديمة تختزنها الذاكرة. ساعة حضورها تشبه التذكر. تعجز الحقيقة الواقعة عن فرض حاضرها عليها. سواد الحديد المحترق هو نفسه أينما حل. لا ماضي له ولا حاضر.

تمر علي صباحات أصحو منشغلة بشيء غامض. لا أعرف تفاصيله لكنه يثقل عيني ويدمعهما دون سيطرة مني. شيء ما كأنه الماضي. ماض من دون وجه. ملامح فقط. تشبه ملامحك. أو أنني ألصقها بوجهك. أحاول تذكر الملامح فتغيب. آخر مرة رأيتك فيها كان شعر رأسك ولحيتك طاغيا. أبيضه يغريني بملامسته لأرى ان كان لا يزال ناعما كما كان. كان لقاء كثيفا بالشعر والانفعالات. خبأت وجهي في جسدي وهرولت الى أبعد ما يمكنني كي لا تراني. لكنك تعرفني. لا تزال تفهم نبسات شفتي وانقباضاتهما. فهمت انني كنت أختبئ. لم أختبئ منك فقط ولكن من كل ما حولي. أردت ان أختفي. وفهمت أنت ذلك. قلته.

دقائق طويلة مرت قبل ان ألتقط أنفاسا خانت مخارج أنفي وفمي. لم أعد أذكر ماذا قلت. قلت انني أحتاج الى التبضع في أماكن أخرى من المطار. فهمت أيضا أنت وقلت انك ستكون في المقهى لشرب كأس.

هربت مرة أخرى. قاومت الرغبة في الانضمام اليك وتمالكت الأنفاس المتسارعة. لماذا أخاف وما الذي يدفعني بعيدا عنك. في يقيني انني أحلم بلقائك كل ساعة. جاءت الصدفة الآن وها أنا أنبذ يدك. خانني جسدي وابتعدت. خطوة الى الوراء جعلت جسدك ينحني بطوله انحناءة خفيفة كررت معها “مرحبا” عاتبة تسألني لماذا أهرب.

تحررت منك وهربت الى قاعة انتظار الطائرة. هناك سأحتل مقعدي وأختفي من دون ان تراني. بحثت طويلا عن زاوية مخفية.

وها أنت. بأسود شعرك وثيابك تطل بلحية أحبها. لا أزال أحبها. خانتني عيناي هذه المرة على ما أعتقد. دعتاك الى الجلوس بجانبي دونا عني. وبدأ حديثنا من حيث توقف. ألم العراقيين ونخوة طالبان في أفغانستان…

لم أجد فرصة لأقول لك انني في بلدك لأجلك. أم انني هنا بسببك؟ لا أعرف.

لكنك تعرف. تعرف كل شيء. تعرف العراق وتعرفني. لم تسألني لماذا. تعرف السبب ولا تريد ان تسمعه. تحتفظ بالسؤال وجوابه.

Advertisements
This entry was posted in Arabic. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s